الشوكاني
293
فتح القدير
قدمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء ، وهذا المروى عن ابن عباس في إسناده العوفي ، وهو ضعيف جدا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( رجز الشيطان ) قال : وسوسته . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( وليربط على قلوبكم ) قال : بالصبر ( ويثبت به الأقدام ) قال : كان بطن الوادي دهاسا ، فلما مطروا اشتدت الرملة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( ويثبت به الأقدام ) قال حتى تشتد على الرمل وهو كهيئة الأرض . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلى تلك الليلة ويقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " وأصابهم تلك الليلة مطر شديد فذلك قوله ( ويثبت به الأقدام ) . وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : قال لي أبى : يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع ابن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق به . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ( فاضربوا فوق الأعناق ) يقول : الرؤوس . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية ( فاضربوا فوق الأعناق ) قال : اضربوا الأعناق . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك ( فاضربوا فوق الأعناق ) يقول : اضربوا الرقاب . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( واضربوا منهم كل بنان ) قال : يعني بالبنان الأطراف . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطية ( واضربوا منهم كل بنان ) قال : كل مفصل . سورة الأنفال الآية ( 15 - 18 ) الزحف : الدنو قليلا قليلا ، وأصله الاندفاع على الإلية ، ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا : والتزاحف : التداني والتقارب . تقول زحف إلى العدو زحفا ، وازدحف القوم : أي مشى بعضهم إلى بعض وانتصاب زحفا إما على أنه مصدر لفعل محذوف : أي تزحفون زحفا ، أو على أنه حال من المؤمنين : أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار ، أو حال من الذين كفروا : أي حال كون الكفار زاحفين إليكم ، أو حال من الفريقين أي متزاحفين ( فلا تولوهم الأدبار ) نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال . فظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن ، وعلى كل حال إلا حالة التحرف والتحيز . وقد روى عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة وعكرمة ونافع والحسن وقتادة وزيد